عرض المقال :الاحتفال بالمولد

  الصفحة الرئيسية » ركــــن الـمـقـالات

اسم المقال : الاحتفال بالمولد
كاتب المقال: د عبد الله شاكر الجنيدى
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن نهج نهجهم إلى يوم الدين وبعد
فلقد تكلمت في الحلقتين السابقتين عن بعض الشبهات التي استند إليها القائلون بالمولد، وناقشتهم فيها، وقد بيَّنت من خلال ما ذكرتُ أن الاحتفال بالمولد بدعة محدثة، لم تُؤْثَر عن النبي ، ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم ، ولا عن التابعين ومن سلك مسلكهم من الأئمة الأعلام المهديين، وإنما أحدثها من أراد صرف الأمة عن الحق، والابتعاد بها عن الوحي الرباني، وطمس معالم السنن والآثار، وقد قيَّض الله لهذا الدين من يرفع لواءه، ويدافع عن سنة نبيه ، ويتصدى لأهل البدع والضلالات في كل زمان ومكان
ولهذا آثرت في هذا اللقاء أن أذكر طرفًا يسيرًا من أقوال أئمة العلم المعتبرين في الموالد التي أحدثها المبتدعة؛ وذلك حتى يتبين الحق ويعلم الجميع أننا نسلك سبيل أهل التقى، ولندفع عن أنفسنا ما ذكره البعض من أننا لا نحب النبي ، وهذا من الكذب والبهتان، نعوذ بالله من الضلال
ونبدأ بسؤال وُجِّه لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمن يعمل كل سنة ختمة في ليلة مولد النبي ، وهل ذلك مستحب أم لا؟
فأجاب «الحمد لله جمع الناس للطعام في العيدين، وأيام التشريق سُنّة، وهو من شعائر الإسلام، التي سنَّها رسول الله للمسلمين، وإعانة الفقراء بالإطعام في شهر رمضان هو من سنن الإسلام، فقد قال النبي «من فطَّر صائمًا فله مثل أجره» الترمذي وصححه الألباني
وأما اتخاذ موسم غير المواسم الشرعية كبعض ليالي شهر ربيع الأول التي يُقال إنها ليلة المولد، أو بعض ليالي رجب، أو ثامن عشر ذي الحجة، أو أول جمعة من رجب، أو ثامن شوال الذي يسميه الجهال عيد الأبرار؛ فإنها من البدع التي لم يستحبها السلف ولم يفعلوها، والله سبحانه وتعالى أعلم» مجموع فتاوى ابن تيمية
وقال ابن الحاج «فصل في المولد ومن جملة ما أحدثوه من البدع مع اعتقادهم أن ذلك من أكبر العبادات وأظهر الشعائر ما يفعلونه في شهر ربيع الأول من المولد، وقد احتوى على بدع ومحرمات في الجملة، ومن ذلك استعمالهم المغاني وآلات الطرب من الطر المصرصر والشبابة، وغير ذلك» «الشبابة» آلة من آلات اللهو معروفة و«الطُّرُّ» ما صُنع من الوبر، والمصرصر يعني المشدود انظر لسان العرب،
فانظر رحمنا الله وإياك إلى مخالفة السنة المطهرة ما أشنعها وأقبحها مِن مخالفة وكيف تجر إلى المحرمات؟
ألا ترى أنهم لما خالفوا السنة المطهرة، وفعلوا الموالد لم يقتصروا على فعلها، بل زادوا عليها ما تقدم ذكره من الأباطيل المتعددة، فالسعيد السعيد من شدًَّ يده على امتثال الكتاب والسنة، والطريق الموصلة إلى ذلك، وهي اتباع السلف الماضين، رضوان الله عليهم أجمعين؛ لأنهم أعلم بالسنة منا؛ إذ هم أعرف بالمقال، وأفقه بالحال المدخل لابن الحاج
وأقول ما أحسن هذا الكلام الصادر من عالم فقيه متبع معظِّم للكتاب والسنة، متَّبِع للسلف الصالح الذين لم يعرفوا هذه البدعة
وقد أشار في كلامه إلى أن المبتدعة أدخلوا أنواعًا من المنكرات في الموالد، وهذا أمر مشاهد حتى اليوم، فهم في هذه الاجتماعات يميلون ويرقصون، ويطربون على أنغام الموسيقى وآلات اللهو المحرمة، مع ذكر كلمات فيها من الغلو ما يأباه الله ورسوله
وقال الشيخ تاج الدين عمر بن علي اللخمي المعروف بابن الفاكهاني «فإنه قد تكرر سؤال جماعة من المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد هل له أصل في الشرع، أو هو بدعة وحدث في الدين؟
وقصدوا الجواب عن ذلك مبيَّنًا، والإيضاح عنه معيَّنًا، فقلت وبالله التوفيق
لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولم يُنْقَل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها المبطلون، وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون، بدليل أنَّا إذا أدرنا عليها الأحكام الخمسة قلنا إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا، وليس هو بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشارع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشارع، ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت
وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى، إن سُئلت عنه ولا جائزًا ولا مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين، فلم يبق إلا أن يكون مكروهًا أو محرمًا» الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف، للشيخ أبي بكر الجزائري، ص
وقال الشيخ محمد عبد السلام الشقيري «فصل في شهر ربيع الأول وبدعة المولد فيه لا يختص هذا الشهر بصلاة ولا ذكر، ولا عبادة، ولا نفقة ولا صدقة، ولا هو موسم من مواسم الإسلام كالجُمَع والأعياد التي رسمها لنا الشارع صلوات الله وتسليماته عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين
ففي هذا الشهر وُلد ، وفيه توفي، فلماذا يفرحون بميلاده ولا يحزنون لوفاته؟
فاتخاذ مولده موسمًا، والاحتفال به بدعة منكرة ضلالة لم يرد بها شرع ولا عقل، ولو كان في هذا خير؛ فكيف يغفل عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر الصحابة والتابعين وتابعيهم، والأئمة وأتباعهم؟
لا شك أنه ما أحدثه إلا المتصوفون الأكالون البطالون أصحاب البدع، وتبع الناس بعضهم بعضًا فيه، إلا من عصمه الله ووفَّقه لفهم حقائق الإسلام، ثم أي فائدة تعود، وأي ثواب في هذه الأموال الباهظة التي تعلق بها هذه التعاليق، وتنصب بها هذه السرادقات، وتضرب بها الصواريخ ؟
وأي رضا لله في اجتماع الرقاصين والرقاصات، والطبالين والزمارين، واللصوص والنشالين، ما فائدة هذا كله؟
فائدته سخرية الإفرنج بنا وبديننا، وأخذ صور هذه الجماعات لأهل أوروبا؛ فيفهمون أن محمدًا وحاشاه حاشاه كان كذلك هو وأصحابه، فإنا لله وإنا إليه راجعون» السنن والمبتدعات ص
وما ذكره الشقيري رحمه الله من منكرات تقع في الموالد، وإنفاق المال في عصره يقع مثله في هذه الأيام، وقد تحدث الشيخ محمد عبده رحمه الله مع رجل يقوم صديق له بعمل الموالد، وسأله كم ينفق صاحبك في احتفاله بالمولد؟ قال أربعمائة جنيه قال له الإمام لا شك أن هذا في سبيل الشيطان، فلو كلمت صاحبك في أن يجعل ذلك لجماعة من المجاورين في الأزهر يستعينون به على طلب العلم؛ فيكون بذله شرعيًّا، وهؤلاء المجاورون سيذكرونه بخير ويدعون له» تفسير المنار
فانظر رحمك الله هذا المبلغ الكبير في ذلك الوقت الذي يُصرف في المولد في عهد الشيخ محمد عبده
ولنا أن نتساءَل هل هذا في طاعة الرحمن أو في طاعة الهوى والشيطان؟ لا شك أنه في طاعة الشيطان؛ لأنه أمر مُحدَث؛ لا يشهد له كتاب ولا سنة، بل سرى إلينا تقليدًا منا للأمم الضالة من قبلنا، وكان هذا من أهم أسباب تأخر المسلمين وضياعهم
ومن المنكرات التي تحدث في المولد إلى جانب ما سبق ذكره صناعة الحلوى على هيئة فارس يركب حصانًا، أو على هيئة عروس، ومن المعلوم أن النبي نهى عن التصوير والتماثيل، بل كانت بعثته للقضاء على ذلك، فكيف نصنعه بعد ذلك في يوم ميلاده؟ لا شك أن فعل هذا محادة لله ولرسوله باسم الحب والدين
وقد يقول قائل وما قول علمائنا في الأزهر الشريف في ذلك؟
أقول سبق أن ذكرت قول الإمام الشيخ محمد عبده، وقد كان مفتيًا للديار المصرية
ومن المنكرين للموالد من أئمة وعلماء الأزهر شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله ، وقد سُئل عن حكم الدين في إقامة الموالد؟
فأجاب الموالد هي هذه الحفلات الصاخبة، أو المجتمعات السوقية العامة التي ابتدعها المسلمون في عهودهم المتأخرة باسم تكريم الأولياء، وإعلاء قدرهم ومكانتهم، ومهما قال عشاق الموالد والمتكسبون بها ومروجوها من أن فيها ذكر الله والمواعظ، وفيها الصدقات وإطعام الفقراء، فإن بعض ما تراه فيها ويراه كل الناس من ألوان الفسوق، وأنواع المخازي، وصور التهتك والإسراف في المال، ما يحتِّم على رجال الشئون الاجتماعية، وقادة الإصلاح الخُلُقي والديني المبادرة بالعمل على إبطالها ومنعها، ووضع حد لمخازيها، وتطهير البلاد من وصمتها» فتاوى هامة، للشيخ فتحي عثمان ص
وقال الشيخ عبد المجيد سليم رحمه الله مفتي الديار المصرية في عصره «عمل الموالد بالصفة التي يعملها العامة الآن لم يفعله أحد من السلف الصالح، ولو كان ذلك من القُرَب لفعلوه» موقع دار الإفتاء المصرية، فتوى رقم
وفي الحوار الذي أجرته جريدة الأهرام مع وزير الأوقاف في عصره الدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله ذكر أن الموالد مليئة بأمور لا تليق بالمسلمين، وفيها الكثير مما لا يقره الإسلام بمثل صور الذِّكر بالطبول والراقصات جريدة الأهرام، الجمعة ديسمبر المجتمع
وبعد هذا البيان، فهل يجوز لقائل أن يستحسن الموالد، أو أن يشارك في شيء منها؟
إن واجب علماء الأمة أن يبينوا الحق للناس، وأن يهتدوا بهدي الكتاب والسنة، وأن يتركوا المناهج البدعية التي زاحمت السنة النبوية، ولو كان في إقامة مولد للمصطفى المختار خيرٌ لسبقنا إلى ذلك الصحابة وأئمة التابعين، فهم كانوا على الخير أحرص، ومحبتهم للنبي أعظم، وقد بذلوا أنفسهم وأموالهم في إقامة الدين الذي بُعث به النبي ، ومع ذلك فلم يقعوا في لون من ألوان هذه البدع المظلمة التي سلكها المتأخرون والمحبة الحقيقية الصادقة للنبي تظهر وتحصل في طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع
الخلاصة
أن عمل المولد بدعة محدثة، لم تُؤْثَر عن النبي ، ولا عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ، ولا عن التابعين، ولا عن أحد من أئمة السلف الصالح والبدعة مهما عمل بها الناس، وانتشرت بينهم، ومهما مرَّت عليها الأزمنة والعصور، لن تكون في يوم من الأيام سنةً يُؤجَر على فعلها، بل هي بوصفها بدعة تكون من الضلالات التي يجب أن ينتهي الناس عنها ولهذا فإني أوجه نداءً إلى العلماء والمسئولين أدعوهم فيه إلى منع هذه الموالد، واتباع الصراط المستقيم، والتمسك بما كان عليه نبينا ، وأذكِّر الجميعَ بقول الله تعالى في محكم التنزيل وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا النساء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
اضيف بواسطة :   admin2       رتبته (   الادارة )
التقييم: 0 /5 ( 0 صوت )

تاريخ الاضافة: 05-05-2010

الزوار: 210


التعليقات : 0 تعليق

« إضافة مشاركة »

اسمك
ايميلك
تعليقك
5 + 6 = أدخل الناتج

المقالات المتشابهة

المقال السابقة
صلة الرزق بصلة الرحم
المقالات المتشابهة
المقال التالية
الولاء والبراء من أصول عقيدتنا

جديد قسم ركــــن الـمـقـالات

الهجوم على «الحرية» إرهاب دولة-ركــــن الـمـقـالات

القائمة الرئيسية
تسجيل الدخول
اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني   
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
حالة الطقس

عدد الزوار
انت الزائر :16167
[يتصفح الموقع حالياً [ 29
الاعضاء :0 الزوار :29
تفاصيل المتواجدون